﷽
قراءة في «ستيلا ماريس»: حوار لا يملك إلا الكلام، وجرح يطلب أكثر مما يُعطى
Stella Maris: a critical reading
«ستيلا ماريس» اعتراف فلسفي مقيَّد بقيد المقابلة العلاجية، تُمتحن فيه أفكار مكارثي عن اللغة والوعي بشخصية تحب أخاها حبًّا لا يحتمله العالم. قوته في توتر العقل البارد والجرح الحي، وضعفه أن الجرح لا يُعطى من الشخصيات ما يُعطاه العقل.
- الكتاب المقروء
- ستيلا ماريس
- بقلم
- فهرست
- القراءة
- نحو 12 دقيقة
مدخل
حين صدرت «ستيلا ماريس» في السادس من ديسمبر 2022 عن دار نشر كنوف، بعد ستة أسابيع من «الراكب»، كان كورماك مكارثي (1933–2023) قد أنهى مسيرة روائية بدأت برواية «حارس البستان» عام 1965 وبلغت ذروتها في «خط الطول الدموي» و«الطريق». وجاء الكتابان بعد غياب دام ست عشرة سنة عن الرواية، ثم تبيّن أنهما ختام أعماله. غير أن الأهم من التوقيت هو الشكل: «ستيلا ماريس» نحو مئتي صفحة وهي محادثة متصلة بين مريضة وطبيبها، لا مشهد فيها ولا طبيعة ولا فعل.
تسأل هذه القراءة سؤالًا واحدًا: ماذا يبقى من روائي عُرف بالمناظر الدموية والصحراء والعنف الأسطوري حين يُجرَّد من ذلك كله ويُترك له الكلام وحده؟ وحجّتها أن «ستيلا ماريس» ليست ملحقًا لـ«الراكب» ولا كتاب أفكار متنكرًا في ثوب رواية، بل هي اعتراف فلسفي مقيَّد بقيد المقابلة العلاجية، تُمتحَن فيه فكرة مكارثي الأثيرة، أن اللغة أقدم من الوعي وأن العالم لا يُقال، بشخصية تحبّ أخاها حبًّا لا يحتمله العالم الذي تصفه. وتكمن قوة الكتاب في هذا التوتر بين العقل البارد والجرح الحي، ويكمن ضعفه في أن الجرح لا يُعطى من الشخصيات ما يُعطاه العقل.
ولا تسعى القراءة إلى تلخيص الحبكة، فالكتاب يكاد لا يملك حبكة بالمعنى المألوف. تسعى إلى أن تبيّن كيف يعمل هذا الشكل، وما الذي يكسبه الكاتب منه وما الذي يخسره، وكيف استُقبل الكتاب في النقد الأدبي الأنجلوفوني الذي انقسم حوله انقسامًا لافتًا.
السياق
رواية ثانية في ثنائية
تنتمي «ستيلا ماريس» إلى ثنائية تضم «الراكب» الصادرة في الخامس والعشرين من أكتوبر 2022. في «الراكب» نتابع بوبي ويسترن، غوّاص إنقاذ في خليج المكسيك، تطارده أسئلة عن طائرة غارقة وعن أبيه الذي شارك في مشروع القنبلة الذرية، وتتخلل السرد فصول عن أخته أليسيا التي ماتت منتحرة قبل ذلك بعقد. أما «ستيلا ماريس» فتعطي الكلام لأليسيا نفسها في سنة 1972، في مصحة بمدينة بلاك ريفر فولز بولاية ويسكونسن. هي في العشرين، دخلت المصحة وفي حوزتها أربعون ألف دولار في كيس بلاستيكي، وتقدَّم في وصف حالتها على أنها طالبة دكتوراه في الرياضيات بجامعة شيكاغو، عولجت بتشخيص الفصام الزوراني.
والترتيب هنا يطرح مسألة القراءة: هل نبدأ بـ«الراكب» أم بـ«ستيلا ماريس»؟ زمنيًا تسبق جلساتُ أليسيا أحداثَ «الراكب» الرئيسة، لكنها تُنشر بعدها، وهذا ما جعل بعض القراء يرونها خاتمة وبعضهم مقدمة. وهو سؤال يجيب عنه الكتاب نفسه بطريقة غير مباشرة: فمن يعرف مصير الأخ يقرأ كل جملة عن الحب بعين مثقلة بما سيحدث، ومن يأتي إليها أولًا يقرؤها بعين مَن لا يعرف شيئًا، وكلتا القراءتين مشروعة.
كاتب يكتب امرأة
أشار مكارثي في حوار قديم، في سنة 2009 كما يذكر المرجع الموسوعي، إلى أنه ظل نحو خمسين سنة ينوي أن يكتب عن امرأة. وهذه الجملة تعطي الكتاب ثقلًا خاصًا، فهو أول عمل له تكون بطلته امرأة منذ «ظلام خارجي» (1968). وقد شغل هذا الأمر النقاد، لأن أعماله السابقة كانت عالمًا ذكوريًا بامتياز، ولأن السؤال عن قدرته على كتابة امرأة ظل مطروحًا في نقاشه.
الفلسفة خارج الرواية
ولفهم الكتاب لا بد من ذكر مقال «مشكلة كيكولي» الذي نشره مكارثي في مجلة «نوتلس» في أبريل 2017، وهو أول نص غير روائي منشور له، وكان وقتها من المرتبطين بمعهد سانتا في. يقترح المقال أن اللاوعي آلة لتشغيل الحيوان، وأن اللغة ظاهرة إنسانية حديثة منفصلة عنه، ويتساءل لماذا لا يخاطبنا اللاوعي بالكلمات بل بالصور والأحلام، منطلقًا من حلم الكيميائي كيكولي بالأفعى التي تأكل ذنبها. هذه الأفكار هي المادة الخام التي يُسمَع صداها في فم أليسيا، حتى إن قارئ المقال يشعر أنه يعرف جزءًا من الجلسات قبل أن يقرأها.
العنوان والغرفة
العنوان نفسه يستحق وقفة. «ستيلا ماريس» عبارة لاتينية معناها «نجمة البحر»، وهي من ألقاب مريم العذراء في التقليد المسيحي، وقد اتُّخذت اسمًا لكثير من المؤسسات التي تؤوي المتعبين. ولا يصرّح الكتاب بشيء من هذه الدلالة، لكن اسم المصحة يعلّق فوق الجلسات فكرة الملاذ والاهتداء، في حين تدور الجلسات حول فقدان الاهتداء. وهذا التضاد، بين اسم يعد بالنجاة ومريضة تفكر في الرحيل، من الأمور التي يحسن بالقارئ أن يتنبّه لها قبل أن يدخل الغرفة.
البناء والأسلوب
بناء «ستيلا ماريس» أبسط بناء ممكن: صفحة افتتاحية سردية موجزة تعرّف بالمريضة، وهي الصفحة الوحيدة التي ليست حوارًا، ثم سلسلة جلسات بين أليسيا والدكتور مايكل كوهين. لا يوجد راوٍ، ولا يوجد وصف، ولا تُنسب الأقوال إلى قائليها، وهنا اللعبة الشكلية الأولى: لا حاجة إلى النسبة لأن المتحدثَين اثنان فحسب. ويواصل الكاتب عادته المعروفة في الاستغناء عن علامات الاقتباس، ويقتصد في الترقيم عمومًا، فيصير الحوار نَفَسًا واحدًا متصلًا يتبدل فيه المتكلم بلا إعلان.
لهذا الشكل مكاسب واضحة. أولها أن الشخصية تُبنى بصوتها وحده: لا يوجد مؤلف يشرح لنا من هي أليسيا، بل نتلقاها كما يتلقاها الطبيب، بما تقول وبما تخفي وبما تراوغ فيه. وثانيها أن المقابلة العلاجية تعطي مبررًا واقعيًا لأن يتكلم إنسان عن كل شيء: عن طفولته، وعن أبيه، وعن الرياضيات، وعن ﷲ. وثالثها الإيقاع، فالحوار سريع، فيه ذكاء ومزاح جاف، وهذه ميزة لا يُنكرها حتى المتحفظون على الكتاب.
وللشكل خسائره كذلك. إن غياب الفعل ليس تفصيلًا تقنيًا، فالرواية التي يُحرَم فيها الراوي من المشهد تفقد أهم أدوات مكارثي: قدرته على أن يجعل العالم المادي حاضرًا بقسوة وجمال. ولذلك يبدو كل ما يوحي بالجسد والمكان، حين يتسلل إلى الكلام، أقوى أثرًا مما حوله، لأنه يكسر رتابة الحوار. وثمة خسارة ثانية في الطبيب، فكوهين شريك حوار مقبول، يتابع ويعترض، لكنه يظل في وظيفة المحاور المساعد الذي يوجّه الأسئلة، ولا يتحول إلى شخصية تحمل ثقلًا موازيًا.
ومن الجدير بالتنبيه أن الشكل الحواري يستدعي تقليدًا قديمًا: حوار أفلاطون، ورواية الأفكار عند ديدرو وخلفائه. وهذا ما يفسّر أن بعض النقاد قرأوا الكتاب بمعيار رواية الأفكار فرأوه انتصارًا، وقرأه آخرون بمعيار الرواية النفسية فرأوه ضعيفًا. والخلاف في المعيار قبل أن يكون خلافًا في الحكم.
القراءة
الحركة الأولى: عقل يبحث عن أساس
تُقدَّم أليسيا بوصفها عبقرية رياضية، وتدور جلساتها حول أسئلة الأسس: ما طبيعة الرياضيات، وهل هي اكتشاف أم اختراع، وهل العالم المرئي منتج للعقل أم سابق عليه. يستعمل مكارثي هنا مادة الفلسفة الرياضية وفيزياء الكم والظاهراتية، وهذه موضوعات ذكرتها الأدبيات التعريفية عن الكتاب. والفكرة التي تتكرر على لسان أليسيا، بصيغ مختلفة، هي أن ما نسميه واقعًا مصنوع جزئيًا في الرأس، وأن القول لا يطابق الأشياء مطابقة كاملة.
ولا تقدَّم هذه الأفكار في صورة محاضرة بقدر ما تُقدَّم في صورة جدل بين مريضة تعرف أكثر من طبيبها ورجل لا يملك إلا أن يسأل. ويظهر ذكاء الكاتب حين يوقف الاستطراد بنكتة أو بتغيير للموضوع، فيخفف من حمل الأفكار. غير أن بعض القراء رأوا أن الحمل ما زال ثقيلًا، وأن أليسيا في هذه اللحظات تبدو أقرب إلى وعاء لأفكار الكاتب منها إلى إنسانة، وهي ملاحظة تستحق الوقوف عندها لأنها تمس جوهر الكتاب.
الحركة الثانية: الحب الذي لا يحتمله العالم
إن كان العقل هو الدفة، فإن الأخ هو الريح. وراء كل سؤال فلسفي في الكتاب سؤال أبسط وأقسى: ماذا يفعل إنسان حين يكون مركز حياته كلها في مكان لا يستطيع بلوغه؟ حب أليسيا لبوبي هو القلب العاطفي للنص، وهو أيضًا أكثر عناصره إشكالًا، لأنه يجمع الشدة والإزعاج في آن واحد. يبني مكارثي هذا الحب بوصفه مطلقًا، حبًّا يخلو من الوساطة الاجتماعية، ويتعمد ألّا يخفف من غرابته. وهنا يمكن القول إن الكتاب يحقق أعلى درجات صدقه الفني حين يكفّ عن الاستدلال ويترك الفقد يتكلم.
وفي هذا السياق يكتسب موضوع الموت حضورًا مركزيًا. فالمصحة التي تدخلها أليسيا ليست مكان علاج بقدر ما هي غرفة انتظار أخيرة، والجلسات مساحة تفكر فيها بصوت عالٍ في الاختيار بين البقاء والرحيل. وقد رأى بعض النقاد أن هذا هو الموضوع الأعمق في الكتاب: تأمل في موت مختار، وفي كون الوعي الذي أنتج الرياضيات هو نفسه الذي لا يطيق الفجيعة. ويعطي هذا التأويل للأفكار المجردة وظيفة: هي ليست زينة فكرية، بل وسيلة دفاع وهروب في آنٍ معًا.
الحركة الثالثة: ثقل الذنب التاريخي
يمرّ على الكتاب ظل أبٍ عمل في مشروع القنبلة الذرية، وهذا الظل هو ما يربط الثنائية بأسئلة القرن العشرين. لا يتحول الأمر إلى رواية سياسية، لكنه يعطي رحلة أليسيا الفكرية خلفية أخلاقية: العلم الذي تحبه هو العلم نفسه الذي أنتج الدمار، والعقل الذي يفتنها هو العقل الذي صنع القنبلة. ومن هنا ينشأ ذلك الاتجاه الغنوصي المتشائم الذي رآه بعض النقاد في الكتاب، أي الشعور بأن في أصل الوجود شرًا أو خللًا لا ينفع معه الإصلاح. وقد أعجب بعض القراء بهذه الرؤية لأنها تعبّر عن موقف فلسفي صريح، بينما رأى آخرون فيها تكرارًا لعدمية معروفة من أعمال مكارثي السابقة.
في مسألة الشخصية
يبقى السؤال الذي لا مفرّ منه: هل أليسيا شخصية مقنعة؟ إنها في آن واحد طالبة دكتوراه عبقرية وفتاة في العشرين وأخت عاشقة ومريضة نفسية، وفي الجمع بين هذه الصفات إفراط يقرّبها من الأسطورة. وهذا الإفراط من طبائع عالم مكارثي، فشخصياته دائمًا أكبر من الواقع. ولكن المصحة النفسية تفرض معيارًا واقعيًا لا تفرضه الصحراء ولا الحرب الأهلية: فنحن نسأل هنا كيف يتكلم الناس حقًّا، ولا أحد يتكلم هكذا. وقد التقط بعض النقاد هذه المفارقة بفطنة حين قالوا إن لا أحد في الواقع يتكلم كما تتكلم أليسيا، ولكن الناس ربما تكلموا هكذا لو استطاعوا. وأعتقد أن هذا هو أصدق ما قيل عن الكتاب: إنه يكتب بلسان ما لا يُقال، لا بلسان ما يُقال.
اللغة بين المقال والرواية
إذا وضعنا الكتاب إلى جانب مقال «مشكلة كيكولي» ظهر أن الرواية تعمل على سؤال المقال بأدوات مختلفة. المقال يعرض الفرضية بصوت المؤلف: اللاوعي قديم وناجح بلا كلام، واللغة طارئة وإنسانية، فلماذا يحتاج اللاوعي إلى الصور بدل الكلمات؟ أما الرواية فتنقل السؤال من الأطروحة إلى الجسد: ما معنى أن تملك عقلًا يرى بنية العالم ولا يملك أن يقول لأحد ما رأى، وأن يكون الكلام، مع ذلك، الوسيلة الوحيدة للعلاج؟ هنا تكمن مفارقة الكتاب الكبرى، فالعلاج النفسي علاج بالكلام، ومكارثي يشك في الكلام. ومن ثم تصير الجلسات تجربة على حدود اللغة: كل جملة تحاول أن تقول ما لا يُقال، ولا تنجح تمامًا.
ويفسّر هذا لماذا تبدو الرياضيات في الكتاب أكثر من مجرد مهنة لبطلة: إنها لغة تدّعي الدقة المطلقة، ومع ذلك يتحدث الكتاب عن حدودها. وهذه المفارقة، التي لا يحتاج القارئ معها إلى تخصص، هي ما يجعل المادة الفكرية قابلة للمتابعة حتى لمن لا يملك خلفية علمية؛ فالمهم هو الموقف الوجودي الذي تعبّر عنه، لا الحجج التقنية.
بين مكارثي القديم ومكارثي الأخير
لقد عُرف مكارثي بعوالم تهيمن عليها الطبيعة والعنف، حيث تكاد الشخصيات تكون قوى كونية، وحيث يتحدث السرد بنبرة توراتية. وفي «ستيلا ماريس» ينقلب المشهد: عالم داخلي كله، بلا غبار ولا دماء، والنبرة التوراتية تتحول إلى حديث عن الطبيعة الأخيرة للأشياء. ومع ذلك يبقى الخيط الواصل واحدًا، وهو الاقتناع بأن العالم ليس ودودًا ولا مفهومًا، وأن أقصى ما يفعله الإنسان أن يحدّق فيه بصدق. وإن كان بعض النقاد قد رأوا في هذا الاستمرار تكرارًا، فإن آخرين رأوا فيه اتساقًا شجاعًا لا يتنازل في نهاية العمر عن رؤيته.
ما يقال عن الكتاب وما يُجادَل فيه
انقسم النقد حول الكتاب انقسامًا حادًا. وبحسب ما يجمعه موقع «بوك ماركس» لمراجعات الكتب، وقد تتبّع ستًا وثلاثين مراجعة، تميل حصيلة الاستقبال إلى الإيجاب مع وجود أصوات سلبية قوية. ويمكن تلخيص المواقف الرئيسة فيما يلي.
يرى بعض القراء أن الكتاب هو الأقوى في ثنائية مكارثي، وأن ضيق شكله هو مصدر قوته: تركيز ووضوح وحميمية لا تتوافر في الجزء الأول. وقد وصفه أحد النقاد الكبار بأنه «جلسة نقاش على طريقة ستوبارد» تعمل أفضل حين يكون القارئ قد قرأ «الراكب» وما زال تحت أثره.
ويرى آخرون أن الرؤية الفلسفية هي الإنجاز الحقيقي، وأن وضوح الميتافيزيقا المرّة في الكتاب جديد على مكارثي، الذي عُرف في أعماله القديمة بالغموض والإيحاء. فبحسب هذا الموقف، يستحق الكتاب الاهتمام لأنه يكشف ما كان مستترًا في رواياته السابقة.
وفي المقابل، يرى فريق ثالث أن أليسيا ليست شخصية بل مستودع لأفكار الكاتب، وأن النص يفتقر إلى مسافة ساخرة بين المؤلف وبطلته، فتبدو الحكمة التي تنطق بها حكمة مفروضة على القارئ. وبلغ الأمر ببعضهم أن عدّ الكتاب أسوأ ما قرأه في عام صدوره.
وثمة موقف رابع يتجه إلى مسألة النشر: لماذا نُشر كتابان منفصلان؟ وهل لهذا الفصل مبرر فني أم هو قرار تجاري؟ بعضهم يرى الكتابين رواية واحدة مشطورة، وآخرون يرون أن لكل منهما استقلالًا، وبينهم من يرى أن الحكم على أحدهما بمعزل عن الآخر ظلم للاثنين.
ولعل أنفع ما في هذا الجدل أنه يوضح أن الخلاف ليس على الحقائق بل على التوقعات. من جاء يطلب الحبكة والمشهد خرج خائبًا، ومن جاء يطلب رواية أفكار وجد ما يطلب. ولهذا لا يمكن الفصل في الأمر بتصويت، وإنما بالسؤال عن العقد الضمني الذي يعقده الكتاب مع قارئه.
خاتمة
«ستيلا ماريس» كتاب غريب بوصفه عملًا مستقلًا، لكنه كتاب جاد بلا شك. يعطي القارئ حوارًا حيًّا، وصوتًا نسائيًّا طالما وعد الكاتب به، وتأملًا في حدود المعرفة والموت يصدر عن رجل في أواخر عمره، ولحظات تقترب فيها اللغة من الشعر حين تدنو من الفقد. أما ما ينقصه فهو التوازن: أليسيا أكثر ذكاءً مما يحتمله الواقع، والطبيب أقل حضورًا مما يتطلبه الحوار، والأسئلة الفلسفية أكثر عددًا من أن تتسع لها الجلسات، فيضيق الجرح الإنساني الذي هو أصل الكتاب.
وخلاصة هذه القراءة أن الكتاب ينجح حيث يتحول الفكر إلى حاجة، ويتعثر حيث يتحول الفكر إلى عرض. وهو يخاطب في المقام الأول قارئ مكارثي المتمرس الذي يريد أن يرى أين انتهى هذا الكاتب، ثم القارئ المهتم بحدود الرواية بوصفها وسيلة للتفكير. أما من يريد مدخلًا إلى عالم مكارثي فالأولى أن يبدأ بغيره، وأن يعود إلى هذا الكتاب بعد أن يعرف الصوت الذي يتحدث منه.
وإذا طُلب حكم موجز، فهو أن الكتاب أقرب إلى مسرحية فكرية من فصل واحد منه إلى رواية بالمعنى المعتاد، وأنه يُقاس بما يقاس به هذا النوع: بقدرة الصوتين على أن يجعلانا نصغي، وبما يتركه الحديث فينا بعد انطفاء الأضواء. وفي هذا الميزان تكسب «ستيلا ماريس» أكثر مما تخسر، لأن أليسيا، مع كل افتعالها، تظل صوتًا يصعب نسيانه، ولأن الحزن الذي يجري تحت كلامها حقيقي. وهي بعد ذلك شهادة أخيرة على كاتب لم يتخلَّ حتى النهاية عن الأسئلة الكبرى، ولم يبحث عن راحة القارئ.
المراجع
- McCarthy, Cormac. Stella Maris. New York: Alfred A. Knopf, 2022.
- McCarthy, Cormac. The Passenger. New York: Alfred A. Knopf, 2022.
- McCarthy, Cormac. "The Kekulé Problem." Nautilus, April 2017.
- "Stella Maris (novel)." Wikipedia, the free encyclopedia.
- "Cormac McCarthy." Wikipedia, the free encyclopedia.
- "The Passenger (McCarthy novel)." Wikipedia, the free encyclopedia.
- "The Kekulé Problem." Wikipedia, the free encyclopedia.
- Book Marks. "Reviews of Stella Maris by Cormac McCarthy." Literary Hub.