فهرستشيء عن كل شيء
قراءة نقدية

﷽

ق-0991

قراءة في «زبدة»: حين يُحاكَم جسد المرأة قبل أفعالها

Butter (バター): a critical reading

«زبدة» ليست رواية عن قاتلة بل عن نظر المجتمع إلى امرأة، وتجعل من الطعام لغة تحليل اجتماعي تُدين محاكمة الجسد والشهية. قوتها في حوار امرأتين متقابلتين، وضعفها في ترهّل البناء وميل إلى التفسير.

الكتاب المقروء
زبدة
بقلم
فهرست
القراءة
نحو 12 دقيقة

مدخل

«زبدة» (バター) رواية للكاتبة اليابانية يوزوكي آساكو، صدرت في اليابان سنة 2017 عن دار شينتشوشا ورُشّحت يومها لجائزة ناوكي، ثم نقلتها إلى الإنجليزية بولي بارتون سنة 2024 فكانت أول أعمال الكاتبة التي تبلغ قارئ الإنجليزية. ومنذ ذلك الحين خرجت من حدود الأدب المترجم الضيّقة إلى قوائم الأكثر مبيعًا، وفازت بجائزة «كتاب العام» من سلسلة مكتبات ووترستونز البريطانية لعام 2024. وهذه القراءة تسأل سؤالًا واحدًا: ما الذي تفعله هذه الرواية بقالبها الجنائي، ولماذا يبدو الطعام فيها أصدق مادةً للتحليل الاجتماعي من الجريمة نفسها؟

أطروحتنا أن «زبدة» ليست رواية عن قاتلة، بل عن النظر إلى امرأة. فالجريمة تُبقى في الخلفية بقصد، ويتقدّم عليها سؤال آخر: كيف يُحاكَم جسد المرأة وشهيتها وطريقة عيشها قبل أن تُحاكَم أفعالها؟ وتبني الكاتبة جوابها على مفارقة محكمة: امرأتان تبدوان نقيضين، إحداهما صحفية مشغولة بعملها لا تلتفت إلى ما تأكل، والأخرى متّهمة تجعل من الأكل فلسفة حياة، وكلتاهما تعيش تحت الشرط نفسه الذي يطلب من المرأة أن تكون مرغوبة ومنضبطة ومُعتنية بالآخرين في آنٍ معًا. وسنحاجّ بأن قوة الكتاب في هذا الحوار بين المرأتين وفي لغة الطعام التي تحمله، وأن ضعفه في ترهّل بنائه وفي ميله أحيانًا إلى أن يشرح ما كان يكفي أن يُشعَر به.

السياق

تنتسب الرواية إلى تقليد معروف في الأدب الياباني الحديث هو روايات الجرائم المستلهمة من وقائع حقيقية، لكنها تنحرف عنه بوعي. فهي تستلهم، بحسب ما صرّحت به الكاتبة وما تذكره المراجع، قضية حقيقية عُرفت إعلاميًا باسم «قاتلة البحث عن الزواج»، وهي قضية كانت المرأة المتهمة فيها هدفًا لتغطية صحفية ركّزت على مظهرها ونمط عيشها أكثر مما ركّزت على وقائع الاتهام. وقد قالت الكاتبة في حوار صحفي إن ما فاتَ الإعلام الياباني يلتفت إليه اليوم قرّاء في بلدان أخرى، وإنها رأت في معالجة المجلات الأسبوعية لدرس الطبخ الذي التحقت به المتهمة نظرةً ذكورية تختزله في «مدرسة لنساء يردن الزواج وكسب قلوب الرجال من بطونهم». وتذكر الحوارات نفسها أنها تلقّت دروسًا في المطبخ الفرنسي مدة عام لتكتب مشاهد الطبخ عن خبرة.

ولا بد من تمييز العمل الروائي عن الواقعة. فالرواية تخترع شخصياتها وأسماءها ومسارها، وتجعل المتهمة فيها «ماناكو كاجي»، وتضع الصحفية «ريكا ماتشيدا» في موضع الراوية القريبة. وما يهمّ القراءة هنا هو ما فعلته الكاتبة بالمادة، لا مطابقتها للواقع. وقد قالت الكاتبة نفسها إنها كانت أكثر اهتمامًا بكيفية تغطية القصة إعلاميًا منها بالجرائم ذاتها. فالسؤال الذي يشغلها: كيف رُويت القصة؟ لا: ماذا جرى؟ وهذا اختيار يضع الكتاب في صفّ الروايات التي تحقّق في الخطاب نفسه، أي في الصحافة وفي نظرة المجتمع، لا في الجريمة وحدها.

ولهذا السياق وجه آخر هو سياق الترجمة. فقد جاءت الرواية إلى الإنجليزية في زمن يشهد إقبالًا واسعًا على الأدب الياباني المترجم، لكن الغالب على ما يُترجم منه كان إما روايات غموض، وإما حكايات خيالية، وإما نصوصًا قصيرة فائزة بجائزة أكوتاغاوا. أما «زبدة» فكتاب ضخم نسبيًا، بنحو أربعمئة وخمسين صفحة في طبعته الإنجليزية، يعيد الاعتبار لرواية المجتمع الواسعة. ولبولي بارتون، وهي مترجمة وكاتبة بريطانية نقلت أيضًا أعمالًا لكاتبات يابانيات أخريات، فضل في أن بقي النص مشدودًا بين غرابة اليابانية الجافة وبين ترف وصف الطعام.

البناء والأسلوب

يقوم الكتاب على خطّين متداخلين. الأول خط التحقيق: صحفية في الثالثة والثلاثين تعمل في مجلة أسبوعية تُحرَّر في عالم ذكوري، هي المرأة الوحيدة بين صحفييها المثبَّتين بعقد دائم، تسعى إلى مقابلة متّهمة بقتل ثلاثة رجال كانت الأحكام قد أدانتها بالسجن المؤبد، وهي تنتظر إعادة المحاكمة رغم ضعف الأدلة الملموسة. والثاني خط التحوّل: صحفية تتعلّم من محاورتها كيف تأكل، ثم كيف تعيش. ولا يتقدّم الخطان بنسق واحد؛ فالأول يتباطأ عمدًا كلما اقترب من المحاكمة، والثاني يتسارع كلما اتّسعت دائرة الأصدقاء والمعارف.

أما الحيلة البنائية الأولى فهي أن بابَ الوصول إلى المتّهمة هو الطعام. تمتنع كاجي عن لقاء الصحفيين، وتزداد برودة مع الصحفيات، فتأتي النصيحة من صديقة: ابدئي من حبّها للأكل. وهكذا يصير سؤال الطعام قبل سؤال الجريمة. وفي أحد لقاءاتهما الأولى تسأل كاجي ضيفتها عما في ثلاجتها، فلا تجد ريكا ما تذكره سوى السمن النباتي، فتأتي الجملة التي علقت بذاكرة القرّاء: «there are two things that I simply cannot tolerate: feminists and margarine»، أي «لا أطيق شيئين اثنين: النسويات والسمن النباتي». وتجمع الجملة في سطر واحد مزاج الشخصية وأسلوب الكتاب: حدّة ساخرة وجدّية قاطعة، وحكم على الذوق يسبق الحكم على الأخلاق. ويزيد الأمر طرافة أن الأحداث تجري في أزمة نقص للزبدة في الأسواق، فتصير المادة التي يحملها العنوان نادرة مرغوبة، لا مجرد رمز.

وتأتي الحيلة الثانية في طريقة رواية الأكل. فالوصف في الكتاب طويل، متأنٍّ، مُفعم بالتفاصيل، لكنه لا يُراد به الإغراء وحده. فكل وجبة تكشف شيئًا عن آكلها: من يأكل على عجل، ومن يتذوّق، ومن يستعمل الطعام وسيلةً للسيطرة، ومن يهرب إليه من حزن قديم. وقد رأى كثير من القراء أن هذا هو ما يجعل الكتاب أكثر من مغامرة جنائية، لأن الشهوة فيه ليست زينة بل منهج. وتؤيّد ذلك مراجعات رأت في وصف الأطباق دلالة على حالات الشخصيات النفسية وعلى انتقالها من حال إلى حال.

ومن حيث الصوت، السرد في معظمه بضمير الغائب القريب من ريكا، لا يفارق وعيها إلا قليلًا. وفي فصل واحد تنتقل الرواية إلى مذكرات صديقتها ريكو، وهي انتقالة جريئة توسّع الرؤية، وإن بدت للبعض غير مكتملة النتيجة، لأن خيط ريكو لا يُستثمر إلى مداه. وهذه ملاحظة تتكرر عند القرّاء: كتاب يضع في يده خيوطًا كثيرة ثم لا يحكمها كلها.

القراءة

أولًا: الجسد بوصفه محكمة

أوضح ما في الرواية هو أنها تجعل الجسد موضع المحاكمة قبل المحكمة. فالمتّهمة، كما تقدّمها الرواية، لا يُلاحقها الرأي العام بسبب ما فعلت بقدر ما يُلاحقها بسبب ما هي عليه: امرأة ممتلئة تتلذّذ بالطعام ولا تعتذر عن ذلك. وتلاحظ ريكا أن النساء كنّ يجدن هذا الجانب من القضية مزعجًا، وأن الرجال كانوا يردّون عليه بغضب شديد. فكأن القضية تحمل في ثناياها عقيدة قديمة مفادها أن المرأة التي لا تنضبط في جسدها لا تستحق الاحترام.

ثم تنقل الرواية هذه المحاكمة من الخارج إلى الداخل. فحين تأخذ ريكا في الأكل وتكتسب بضعة كيلوغرامات، لا تأتي الملاحظة من الغرباء وحدهم بل من حبيبها نصف الرسمي، الذي يظن أنه يقول ذلك حرصًا عليها. هنا تنجح الكاتبة في أدقّ ما تنجح فيه: أن تُري كيف يتخفّى الاستبداد في صورة النصيحة. فالمتحدّث لا يعتقد أنه يفرض شيئًا، بل يعتقد أنه يخبرها بما سيفكر فيه الآخرون. وهذه هي الآلية التي يعمل بها الضغط الاجتماعي حين لا يحتاج إلى قانون.

ثانيًا: امرأتان ومرآة

العلاقة بين ريكا وكاجي هي قلب الكتاب، وهي علاقة غير متكافئة تتبدّل موازينها تدريجيًا. تبدو كاجي في البداية الأستاذة المتحكّمة، تُملي وصفاتها وأذواقها على من تزورها. وتقول عن نفسها بصراحة قاسية إنها لا تلتمس الصداقة بل تلتمس المريدين. وفي المقابل تعمل كاجي بذكاء على نقطة ضعف ريكا، فتربط ولعها بالقضية بموت أبيها وبما بقي غير محلول من ذلك الجرح، وتقول لها إنها قاتلة مثلها. وليس القصد أن ريكا قتلت، بل أن شعورًا بالذنب قديمًا يحرّكها، وأنها تنشد في تبرئة كاجي تبرئةً لنفسها.

لكن الرواية لا تترك كاجي صورة شيطانية ولا ضحية خالصة. فهي امرأة تؤمن بمثال المرأة المنزلية التي تُحسن خدمة الرجل، وتعدّ هذا مساهمة اجتماعية، ومع ذلك تعيش خارج هذا المثال بكل ما فيها من قوة وطمع وجرأة. وقد قالت زميلة في درس الطبخ لريكا إن كاجي كانت «رجلًا أكثر منها امرأة»، بمعنى أنها من أصحاب السيطرة في المجتمع. وفي هذه الجملة، على غرابتها، يُلخَّص مأزق الشخصية: امتلكت أدوات السلطة، لكنها لم تجد مكانًا مريحًا في مجتمع لا يمنحها اسمًا غير اسم الإثم.

أما ريكا فرحلتها هي العمود الأخلاقي للكتاب. فهي امرأة عاشت صبيانيةً مريحة، وتعلّمت في مدرسة للبنات أن تؤدّي دور «الأمير»، ثم وجدت نفسها في عمل لا يُقبل فيه الاختلاط بين الحياة الخاصة والعامة. وتشخّص لها كاجي مشكلتها بدقة حين تقول إنه لا جدران في حياتها. ومن هذا التشخيص تنبني الحبكة العميقة: إعادة بناء الجدران، أي الحدود، لا بوصفها سجنًا بل بوصفها شرطًا للحرية. وتبلغ الرواية ذروتها حين تشتري ريكا شقة واسعة بقرض عقاري يُلزمها بأن تأخذ عملها بجدية، وترفض الانسحاب المعتاد من الوظيفة بعد الزواج، ثم تدعو أصدقاءها إلى وليمة كبيرة في بيت لا أثاث فيه بعد، وتطلب منهم أن يحضروا الوسائد ليجلسوا عليها. إنها المائدة التي حلمت بها كاجي ولم تبلغها، لكن على شروط لا يقبلها نموذج ربّة البيت.

ثالثًا: ما حول المرأتين

تحيط بالمرأتين شخصيات ثانوية يُحسن الكتاب رسمها: ريكو التي تريد أن تصير أمًّا وتجد نفسها وحدها مع هذه الرغبة، وزوجها الذي يضغطه الأمل، والمعلّق التلفزيوني الذي يمدّ ريكا بأخبار لا تستطيع الصحافة الرسمية نشرها ولا يطلب منها شيئًا مقابل ذلك، والحبيب الذي يتغيّر تغيّرًا مفاجئًا. وهذه الشخصيات تحمي الرواية من أن تتحوّل إلى بيان؛ فالرجال هنا ليسوا قوالب شر، بل بشرًا ضعافًا أحيانًا، وبعضهم يحمل حنينًا إلى ابنة بعيدة. وفي هذا التوازن يتحقق ما هو أصعب من الإدانة: أن يظهر النظام الاجتماعي بوصفه شبكة يشارك فيها الجميع، لا مؤامرة يقودها فريق ضد فريق.

ويلاحظ القارئ أن الأسر في الرواية مكسورة تقريبًا كلها: أب مات، وأبوان منفصلان يعيشان في بيت واحد، وأم تحمل مثالًا بعيد المنال. وهذا ليس تفصيلًا، فهو يفسّر لماذا يبدو الطعام في الكتاب أقرب إلى ملاذ، ولماذا تتحول المائدة في الخاتمة إلى بديل عن العائلة: أسرة تُصنع بالاختيار.

رابعًا: الزبدة بين الرمز والمادة

يستحق العنوان وقفة. فالزبدة في الرواية ليست رمزًا واحدًا، بل مادة تتبدّل دلالتها بتبدّل من يحملها. هي عند كاجي علامة ذوق وانتماء إلى طبقة من يعرفون الفرق بين الجيّد والرديء، ومن ثَمّ علامة تعالٍ؛ وهي عند ريكا في البداية غياب، إذ لا يوجد في بيتها غير بديلها الرخيص. ثم تصير الزبدة، مع التحوّل، لغة تعلّمتها: تتعلّم أن تشتهي وأن تسمّي ما تشتهيه. وهنا تقترب الرواية من فكرة أعمق: أن الاعتراف بالشهوة أول شروط الحرية، وأن مجتمعًا يعلّم المرأة أن تخجل من شهيتها يعلّمها كذلك أن تخجل من رغباتها كلها.

وتتعمّق الفكرة بالنظر إلى المكان. فالرواية تُظهر طوكيو مدينة المطابخ الصغيرة والوجبات السريعة، حيث لا تتّسع الحياة لمائدة تُشارَك. وقد لاحظ بعض القرّاء أن الكتاب يقرن بين ضيق المطبخ وضيق الحياة العاطفية، وأن الوحدة فيه ليست قدرًا نفسيًا بل نتيجة بنية عمل ومعيشة. ومن هنا يكتسب المشهد الأخير معناه: مائدة كبيرة على الأرض، بلا كراسٍ، يجلس إليها الأصدقاء على وسائد أتوا بها بأنفسهم. هي مائدة قائمة على مشاركة لا على أداء دور.

خامسًا: ما تفعله الترجمة

يبقى سؤال أخير يخصّ قارئ العربية الذي يقرأ هذه القراءة وهو يعلم أن الكتاب وصله، إن وصله، عبر الإنجليزية. فالنص الذي حاججنا به هو نصّ بولي بارتون، ولغته تحمل أثر خيارات المترجمة بين إبقاء غرابة اليابانية وبين الإغراق في ترف الوصف. وقد رأى بعض القرّاء أن الترجمة وُفّقت في الحفاظ على شيء من الجفاف الياباني مع إيثار حسية النثر الغذائي. وهذا يعني أن بعض ما نصفه بأسلوب الكاتبة هو أيضًا من صنع وسيط، وأن أي قراءة عربية لاحقة ستكون حلقة ثالثة في السلسلة، وأولى بها أن تقرّ بذلك.

ما يقال عن الكتاب وما يُجادَل فيه

استُقبل الكتاب استقبالًا حارًّا في معظم الأوساط. يرى بعض القراء أنه عمل لذيذ وحادّ في آن، يجمع متعة التحرّي إلى نقد جريء لمقاييس الجمال التي تُفرض على النساء، وأن شهرته الواسعة خارج اليابان دليل على أن موضوعه يتجاوز بيئته. وقد اقترن اسمه بجوائز عدة؛ إذ أُعلن في نوفمبر 2024 كتابَ العام لدى ووترستونز، ونال في السنة التالية جائزة أفضل رواية أولى في جوائز الكتاب البريطانية.

ولا يكتمل فهم الكتاب دون وضعه في مسار صاحبته. فقد وُلدت يوزوكي في طوكيو سنة 1981، ودرست الأدب الفرنسي في جامعة ريكّيو وكتبت بحثها الأخير عن بلزاك، ونالت جائزة ياماموتو شوغورو عن روايتها «Nairu pāchi no joshikai» سنة 2015، ورُشّحت لجائزة ناوكي مرات عدة. ولعلّ هذه الخلفية، أي الاهتمام المبكر بالرواية الاجتماعية الواسعة على الطريقة الأوروبية، تفسّر نزوع «زبدة» إلى الاستطراد والتفصيل. وتذكر المراجع أن أعمالها الأخرى تتناول موضوعات مثل ثقافة الجمال على الإنترنت والعلاقات بين الأشخاص، وهو ما يضع «زبدة» في سياق اهتمام متصل بالمعايير الاجتماعية وأثرها.

ويرى آخرون أن هذه الحفاوة لا تخلو من تحفّظ. فمن الملاحظات المتكررة أن الكتاب طويل أكثر مما ينبغي، وأن إيقاعه يتباطأ في القسم الأخير. ويرى بعض النقاد أن التحليل الاجتماعي يغلب أحيانًا على الأحداث، فيشرح الرواية ما كان القارئ قادرًا على استنتاجه، وأن بعض الجمل تعلن موقفها بدل أن تتركه يتسرّب. ويضيف فريق ثالث أن التكرار والدوران في السرد، وإن كان يخدم الغرض التعبيري، يرهق القارئ. أما المنتظرون لحبكة بوليسية محكمة فيخيب أملهم، لأن المحاكمة والأدلة ثانويتان في الكتاب، وهو ليس رواية قاعات قضاء. ومن الملاحظات الأدق أن بعض الخيوط، كخيط ريكو، لا تُتابَع حتى نهايتها.

وفي المقابل يقول المدافعون عن البناء إن التباطؤ جزء من الفكرة: فالكتاب يريد أن يُشعر القارئ بثقل الوجبة والتحوّل، وأن الإفراط فيه متعمّد كأنه إفراط على مائدة. وهذا دفاع وجيه، لكنه لا يعفي الكتاب من أن بعض فصوله كان يمكن أن يخفّ دون خسارة. والحكم الأقرب إلى الإنصاف، في تقديرنا، أن الكتاب يكسب بأطروحته أكثر مما يخسر ببنائه.

خاتمة

تقدّم «زبدة» لقارئها ثلاثة أشياء. الأول متعة قراءة من الطراز الرفيع، يتجاور فيها التحرّي والمائدة والتحليل الاجتماعي. والثاني تفكيك دقيق للطريقة التي تُحاكَم بها المرأة بجسدها وشهيتها، يُنجَز دون أن يُحوَّل أحد إلى شيطان. والثالث صورة لامرأة تبني حدودها وتصنع بيتًا وعائلة اختيارية من غير أن تستسلم لقالب جاهز. هذه أهمّ منجزاتها، وهي كافية لتفسّر لماذا وجدت لنفسها قرّاء في لغات وبلدان بعيدة.

وينقصها إحكام الإيقاع، وتحرّر من الميل إلى التفسير، وإتمام بعض الخيوط التي فُتحت. وهي لا تصلح لمن يطلب لغزًا جنائيًا مغلقًا، لكنها تصلح لمن يريد روايةً عن المجتمع تُقرأ على مهل، وعن امرأة تتعلّم أن تأكل وتختار وتغضب دون اعتذار. وهي، قبل ذلك كله، تذكير بأن أخطر الأحكام ما يُصدَر قبل المحاكمة، وعلى مائدة العشاء.

المراجع

  1. Yuzuki, Asako. Butter. Translated by Polly Barton. London: 4th Estate, 2024.
  2. Wikipedia. «Butter (novel)». https://en.wikipedia.org/wiki/Butter_(novel)
  3. Wikipedia. «Asako Yuzuki». https://en.wikipedia.org/wiki/Asako_Yuzuki
  4. Wikipedia. «Kanae Kijima». https://en.wikipedia.org/wiki/Kanae_Kijima
  5. Wikipedia. «Polly Barton (author)». https://en.wikipedia.org/wiki/Polly_Barton_(author)
  6. Asia News Network. «Japanese novelist Asako Yuzuki says she wrote bestselling novel Butter in reaction to male-centred media». https://asianews.network/japanese-novelist-asako-yuzuki-says-she-wrote-bestselling-novel-butter-in-reaction-to-male-centred-media/
  7. Hillis, Mary. «Butter: A Novel of Food and Murder». Asian Review of Books, 10 May 2024.
  8. Fellwock, Lucie. «Asako Yuzuki's Butter in Review». The Oxford Student, 17 January 2025.
  9. The Bookseller. «Asako Yuzuki's Butter crowned Waterstones Book of the Year 2024», 28 November 2024.